جمال الدين بن نباتة المصري

113

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، أسمعته من النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ قال : نعم [ وما هو خير منه ] « 1 » ؛ لما أتى بسبايا طيّئ ، وقفت جارية عيطاء لعساء « 2 » ، فلمّا رأيتها أعجبت بها ، وقلت : لأطلبنّها من النّبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فلمّا تكلّمت أنسيت جمالها بفصاحتها ، فقالت : يا محمد ، إن رأيت أن تخلّى عنّى ، ولا تشمت بي أحياء العرب ، فإنّى ابنة سيّد قومي ، و « 3 » إن أبى كان يفكّ العاني ، ويشبع الجائع ، ويكسو العاري ، ولم يردّ طالب حاجة قطّ « 3 » ؛ أنا ابنة حاتم الطّائىّ . فقال النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا جارية ، هذه صفة المؤمن ، ولو كان أبوك مسلما لترحمّنا عليه ، خلّوا عنها ؛ فإنّ أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق ؛ [ واللّه يحبّ مكارم الأخلاق ] » « 4 » . وقال عدىّ بن حاتم : قلت للنبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّ أبى كان يطعم المساكين ، ويعتق الرقاب ، ويصل الرّحم ، فهل له في ذلك أجر ؟ قال : « إن أباك رام أمرا فأدركه » - يعنى الذّكر . وأوّل ما ظهر من جود حاتم أنّ أباه خلّفه في إبله وهو غلام ، فمرّ به جماعة من الشعراء ، فيهم عبيد بن الأبرص ، وبشر بن أبي خازم ، والنّابغة الذبيانىّ ، يريدون النّعمان ، فقالوا لحاتم : هل من قرى ؟ ولم يعرفهم ، فقال : تسألوني « 5 » القرى وقد رأيتم الإبل والغنم ! انزلوا . فنحر لكلّ واحد منهم ،

--> ( 1 ) من الأغانى . ( 2 ) العيطاء : الطويلة العنق . واللعساء : من كان لونها أدنى إلى السواد مشربا بحمرة . وفي الأغانى : « جارية حماء حوراء العينين لعساء لمياء عيطاء شماء الأنف معتدلة القامة ، ردماء الكعبين ، خدلجة الساقين ، لفاء الفخذين ، خميصة الخصر ، ضامرة الكشحين ، مصقولة المتنين » . ( 3 - 3 ) الأغانى : « كان أبى يفك العاني ويحمى الذمار ، ويقرى الضيف ، ويشبع الجائع ، ويفرج عن المكروب ، ويطعم الطعام ، ويفشى السلام ، ولم يرد طالب حاجة قط » . ( 4 ) من الأغانى ؛ والخبر هناك في 16 : 93 ( ساسى ) . ( 5 ) تسألوني ؛ كذا في الأصول ، بحذف نون الرفع ، وهو مشهور في كلامهم من غير ناصب ولا جازم .